فخر الدين الرازي

480

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فإن قيل : لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد . قلنا : لوجوه : أحدها : أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح ، وثانيها : أنه كان يشاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام ، وثالثها : أن ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك ، ورابعها : لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه . فإن قيل : هل يدل قوله : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً على أنه أذن في ذهاب ابنه بنيامين في ذلك الوقت . قلنا : الأكثرون قالوا : يدل عليه . وقال آخرون : لا يدل عليه . وفيه وجهان : الأول : التقدير أنه لو أذن في خروجه معهم لكان في حفظ اللَّه لا في حفظهم . الثاني : أنه لما ذكر يوسف قال : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 65 ] وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ( 65 ) اعلم أن المتاع ما يصلح لأن يستمتع به وهو عام في كل شيء ، ويجوز أن يراد به هاهنا الطعام الذي حملوه ، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام . ثم قال : وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ واختلف القراء في رُدَّتْ فالأكثرون بضم الراء ، وقرأ علقمة بكسر الراء . قال صاحب « الكشاف » : كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء كما في قيل وبيع . وحكى قطرب أنهم قالوا في قولنا : ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد . وأما قوله : ما نَبْغِي ففي كلمة ( ما ) قولان : القول الأول : أنها للنفي ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : الأول : أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا : إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب لما فعل ذلك ، فقولهم : ما نَبْغِي أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذبا ولا ذكر شيء لم يكن . الثاني : أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر ، فإنه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا . الثالث : المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا ، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى ، فإن هذه التي معنا كافية لنا . والقول الثاني : أن كلمة « ما » هاهنا للاستفهام ، والمعنى : لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا : ما نبغي بعد هذا ، أي أعطانا الطعام ، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه ، فأي شيء نبغي وراء ذلك ؟ واعلم أنا إذا حملنا « ما » على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا . قال الأصمعي : يقال ماره يميره ميرا إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال : ما عنده خير ولا مير وقوله : وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ معناه : أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير فإذا حضر أخوه فلا بد وأن يزداد ذلك الحمل ، وأما إذا حملنا كلمة « ما » على النفي كان المعنى لا نبغي شيئا آخر هذه بضاعتنا ردت إلينا فهي كافية لثمن الطعام في الذهاب الثاني ، ثم نفعل كذا وكذا .